نهي من دخل عليه عشر ذي الحجة وهو مريد التضحية أن يأخذ من شعره أو أظفاره شيئاً

نهي من دخل عليه عشر ذي الحجة وهو مريد التضحية أن يأخذ من شعره أو أظفاره شيئاً
4474 – عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إذا دخلت العشر، وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يمس من شعره وبشره شيئاً” قيل لسفيان: فإن بعضهم لا يرفعه. قال: لكني أرفعه.
4475 – عن أم سلمة رضي الله عنها ترفعه. قال: “إذا دخل العشر، وعنده أضحية، يريد أن يضحي، فلا يأخذن شعراً ولا يقلمن ظفراً”.
4476 – عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إذا رأيتم هلال ذي الحجة، وأراد أحدكم أن يضحي، فليمسك عن شعره وأظفاره”.
4477 – عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها تقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من كان له ذبح يذبحه، فإذا أهل هلال ذي الحجة، فلا يأخذن من شعره ولا من أظفاره شيئاً، حتى يضحي”.
4478 – عن عمرو بن مسلم بن عمار الليثي قال: كنا في الحمام قبيل الأضحى. فاطلى فيه ناس. فقال بعض أهل الحمام: إن سعيد بن المسيب يكره هذا، أو ينهى عنه
فلقيت سعيد بن المسيب فذكرت ذلك له. فقال: يا ابن أخي، هذا حديث قد نسي وترك. حدثتني أم سلمة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. بمعنى حديث معاذ عن محمد بن عمرو.
[المعنى العام]-
الأضحية من المسلم صدقة، وقرض لله، إن تمت على وفق الشرع ووفق أهدافه ضاعفها الله للمسلم وغفر له، مصداقاً لقوله تعالى {إن تقرضوا الله قرضاً حسناً يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم} [التغابن: 17] وفي الآثار أنه يعتق بكل عضو منها عضو من المضحي، وعلى هذا كان على المضحي أن يحافظ على أعضائه كاملة، حتى على شعوره وأظافره، فلا يقطع، ولا يطرح شيئاً منها في العشر الأول من ذي الحجة وحتى يضحي، ليشمل العتق من النار هذه الأجزاء.
ثم إن الله تعالى يحب أن يرى عباده الحجاج في حالة الشعث والتفث، لما في ذلك من مظاهر التضرع والتذلل إليه، في وقت العبادة الفريدة، التي تجب مرة واحدة في العمر، فليتشبه من حرم الأماكن المقدسة بمن سعد بها، وليتذلل وليتضرع إلى الله، وهو في وطنه وبين أهله، بأن يبقى في هذه الأيام العشر ممسكاً لشعره وظفره، فلا يأخذ في هذه الأيام من شعره، ولا من أظفاره شيئاً، فيستشعر بذلك ما هم عليه من حال، ويتذكر ما هم فيه من رحمة ورضوان، فيسأل الله من فضله، ويرجو رحمته، ويخشى عذابه.
إن الأضحية تذكرنا بإسماعيل وأبيه إبراهيم -عليهما السلام- وما كان إسماعيل ليأخذ من شعره أو ظفره، وما كان أبوه ليأخذ شيئاً من شعره وظفره وزينته، وهو يصدق رؤياه، ويهم بذبح ابنه، حتى فداه الله بالذبح العظيم، إنها صور للذكرى والتذكر، وما يتذكر إلا أولو الألباب.

-[المباحث العربية]-
(إذا دخل العشر) أي العشر من ذي الحجة، وفي ملحق الرواية الثانية “إذا رأيتم هلال ذي الحجة” وفي الرواية الثالثة “إذا أهل هلال ذي الحجة”.
(وعنده أضحية) أي شاة أو نحوها، أعدها للذبح يوم الأضحى.
(يريد أن يضحي) الجملة حال من الضمير في “عنده” أو صفة لأضحية، والرابط محذوف، أي يريد أن يضحي بها.
(فلا يأخذن شعراً، ولا يقلمن ظفراً) “يقلمن” بفتح الياء، وسكون القاف وكسر اللام، قال العلماء: المراد النهي من إزالة الشعر بحلق أو تقصير أو نتف أو إحراق أو أخذه بنورة أو غير ذلك،
وسواء شعر الرأس والإبط والشارب والعانة وغير ذلك من شعور بدنه، تشبهاً بالمحرم بالحج والعمرة. وكذلك الظفر، يتوجه النهي إلى إزالة الظفر كله أو جزئه بقلم أو كسر أو غيره.
وفي ملحق الرواية الثانية “فليمسك عن شعره وأظفاره” ولم تذكر الرواية الأولى نهاية النهي، وقد ذكرته الرواية الثالثة، ولفظها “فلا يأخذن من شعره، ولا من أظفاره شيئاً، حتى يضحي”.
(من كان له ذبح يذبحه) “ذبح” بكسر الذال، أي حيوان يريد ذبحه، فهو فعل بمعنى مفعول، كحمل بمعنى محمول.
(عن عمر بن مسلم) قال النووي: كذا رواه مسلم “عمر” بضم العين، في كل هذه الطرق، إلا طريق حسن بن علي الحلواني، ففيها “عمرو” بفتح العين، وإلا طريق أحمد بن عبد الله بن الحكم، ففيها “عمرو أو عمر” قال العلماء: الوجهان منقولان في اسمه.
(كنا في الحمام) بتشديد الميم، مذكر، مشتق من الحميم، وهو الماء الحار، والمراد المكان المعد للاغتسال فيه، وهو معروف.
(فأطلى فيه ناس) معناه أزالوا شعر العانة بالنورة. قاله النووي.
(إن سعيد بن المسيب يكره هذا) يعني يكره إزالة الشعر، في عشر ذي الحجة، لمن أراد أن يضحي، لا أنه يكره مجرد إزالة الشعر.
(هذا حديث قد نسي وترك) أي ترك العمل به، وسيأتي أقوال العلماء فيه.

-[فقه الحديث]-
قال النووي: اختلف العلماء فيمن دخلت عليه عشر ذي الحجة، وأراد أن يضحي، فقال سعيد بن المسيب وربيعة وأحمد وإسحق وداود وبعض أصحاب الشافعي: يحرم عليه أخذ شيء من شعره وأظفاره حتى يضحي في وقت الأضحية.
وقال الشافعي وأصحابه: هو مكروه كراهة تنزيه، وليس بحرام.
وقال أبو حنيفة: لا يكره.
وقال مالك في رواية: لا يكره، وفي رواية: يكره، وفي رواية: يحرم في التطوع، دون الواجب. واحتج من حرم بهذه الأحاديث.
واحتج الشافعي والآخرون بحديث عائشة -رضي الله عنها- “كنت أفتل قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يقلده، ويبعث به، ولا يحرم عليه شيء أحله الله، حتى ينحر هديه” رواه البخاري ومسلم. قال الشافعي: البعث بالهدي أكثر من إرادة التضحية، فدل على أنه لا يحرم ذلك، وحمل أحاديث النهي على كراهة التنزيه.
قال النووي: وفي حديث عائشة هذا أن من بعث هديه لا يصير محرماً، ولا يحرم عليه شيء مما يحرم على المحرم، وهذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة، إلا حكاية رويت عن ابن عباس وابن عمر وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير، وحكاها الخطابي عن أهل الرأي أيضاً، أنه إذا فعله لزمه اجتناب ما يجتنبه المحرم، ولا يصير محرماً من غير نية الإحرام، والصحيح ما قاله الجمهور.
ثم قال النووي: والحكمة في النهي أن يقي كامل الأجزاء، ليعتق من النار، وقيل: التشبه بالمحرم، قال أصحابنا: هذا غلط، لأنه لا يعتزل النساء، ولا يترك الطيب واللباس، وغير ذلك مما يتركه المحرم.
ثم قال النووي عن حديث سعيد بن المسيب: وقد نقل ابن عبد البر عن ابن المسيب جواز الإطلاء في العشر بالنورة، قال النووي: فإن صح هذا عنه فهو محمول على أنه أفتى به إنساناً لا يريد التضحية. اهـ أقول: ويحتمل أنه رأى جوازه بعد أن كان يرى كراهته، عن طريق النسخ، لقوله: هذا حديث قد نسي وترك.
وأميل إلى التوقف عن رفع هذا الحديث، ففي الرواية الأولى: “قيل لسفيان: فإن بعضهم لا يرفعه؟ قال: لكني أرفعه” وأميل إلى عدم العمل بظاهره.
والله أعلم

المصدر : فتح المنعم شرخ مسلم

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: