الأولاد أمانة استرعاك الله إياها

فإن الأولاد هبة من الله تعالى، يسعد الوالدان بولادتهم فيفرحون ويستبشرون بهم،وتُسر النفوس والعيون برؤيتهم، وقد بشرت الملائكة بهم رسل الله عليهم السلام وزوجاتهم، والأولاد هم فلذة الكبد، وزهرة الحياة، ولتربيتهم سبلينبغي مراعاتها؛ ومن ذلك ما يأتي:

 

1- الأولاد هبة من الله سبحانه:

من الواجب على العبد أن يرضى بما قسمه الله ووهبه من الولد؛ قال الله تعالى: ﴿ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ ﴾ [الشورى: 49].

 

قال ابن القيم: “قسم سبحانه حال الزوجين إلى أربعة أقسام اشتمل عليها الوجود، وأخبر أن ما قدره بينهما من الولد، فقد وهبهما إياه، وكفى بالعبد تعرضًا لمقته أن يتسخط ما وهبه، وبدأ سبحانه بذكر الإناث، فقيل: جبرًا لهن؛ لأجل استثقال الوالدين لمكانهن)[1].

 

2- أوصى الله تعالى بالأولاد:

فقد وصى الله سبحانه الآباء بأولادهم؛ قال الله تعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ﴾ [النساء: 11]، وعن جابر رضي الله عنه قال: ((عادني النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في بني سلمة [ص: 44] ماشيين، فوجدني النبي صلى الله عليه وسلم لا أعقل شيئًا، فدعا بماء، فتوضأ منه، ثم رش عليَّ فأفقت، فقلت: ما تأمرني أن أصنع في مالي يا رسول الله؟ فنزلت: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ﴾ [النساء: 11]))[2].

 

قال الإمام السهيلي: “أخبر تعالى عن نفسه أنه موصٍ؛ تنبيها على حكمته فيما أوصى به وعلى عدله ورحمته”[3].

 

3- حذر الله من التقصير في تربيتهم:

قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ﴾ [التحريم: 6].

قال ابن كثير: “قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿ قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ﴾؛ يقول: اعملوا بطاعة الله واتقوا معاصي الله، وأمروا أهليكم بالذكر – ينجكم الله من النار، وقال مجاهد: ﴿ قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ﴾؛ قال: اتقوا الله وأوصوا أهليكم بتقوى الله، وقال قتادة: تأمرهم بطاعة الله وتنهاهم عن معصية الله، وأن تقوم عليهم بأمر الله”[4].

 

وقال ابن القيم: “وكم ممن أشقى ولده وفلذة كبده في الدنيا والآخرة؛ بإهماله وترك تأديبه، وإعانته له على شهواته، ويزعم أنه يكرمه وقد أهانه، وأنه يرحمه وقد ظلمه وحرمه، ففاته انتفاعه بولده، وفوَّت عليه حظه في الدنيا والآخرة، وإذا اعتبرت الفساد في الأولاد، رأيت عامته من قبل الآباء”[5].

 

4- الأولاد أمانة استرعاك الله إياها:

عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، والأمير راعٍ، والرجل راعٍ على أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده، فكلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته))[6]، قوله: ((والرجل راعٍ على أهل بيته)): “زوجته وغيرها يقوم عليهم بالحق في النفقة وحسن المعاشرة”[7].

 

وقال أبو حامد الغزالي: “والصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية عن كل نقش وصورة، وهو قابل لكل ما نقش، ومائل إلى كل ما يُمال به إليه، فإن عود الخير وعلمه، نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة، وشاركه في ثوابه أبوه وكل معلم له ومؤدب”[8].

 

5- أمرهم بأداء العبادات:

فكما أمرنا الله تعالى بالصلاة، أمرنا بأن نأمر أهلنا بها؛ قال الله تعالى: ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ﴾ [طه: 132].

 

قال الشيخ السعدي: “حث أهلك على الصلاة، وأزعجهم إليها من فرض ونفل، والأمر بالشيء أمر بجميع ما لا يتم إلا به، فيكون أمرًا بتعليمهم ما يصلح الصلاة ويفسدها ويكملها، ﴿ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ﴾؛ أي: على الصلاة بإقامتها، بحدودها وأركانها، وآدابها وخشوعها، فإن ذلك مشق على النفس، ولكن ينبغي إكراهها وجهادها على ذلك، والصبر معها دائمًا، فإن العبد إذا أقام صلاته على الوجه المأمور به، كان لما سواها من دينه أحفظ وأقوم”[9].

 

6– تعليمهم العلم النافع:

قال ابن الجوزي: “واعلم أن العلم يرفع الأراذل؛ فقد كان خلق كثير من العلماء لا نسب لهم يذكر، ولا صورة تستحسن، وكان عطاء بن أبي رباح أسود اللون، مستوحش الخلقة، وجاء إليه سليمان بن عبدالملك – وهو خليفة – ومعه ولداه، فجلسوا يسألونه عن المناسك، فحدثهم وهو معرض عنهم بوجهه، فقال الخليفة لولديه: قوما ولا تنيا، ولا تكسلا في طلب العلم، فما أنسى ذلنا بين يدي هذا العبد الأسود”[10].

 

وعن عثمان الحاطبي قال: سمعت ابن عمر يقول لرجل: “أدب ابنك؛ فإنك مسؤول عن ولدك: ماذا أدبته؟ وماذا علمته؟ وأنه مسؤول عن برك وطواعيته لك”[11].

 

وقال ابن القيم: “قال سفيان الثوري: ينبغي للرجل أن يكره ولده على طلب الحديث؛ فإنه مسؤول عنه، وقال: إن هذا الحديث عز من أراد به الدنيا وجدها، ومن أراد به الآخرة وجدها، وقال عبدالله بن عمر: أدب ابنك؛ فإنك مسؤول عنه: ماذا أدبته؟ وماذا علمته؟”[12].

 

7– تربيتهم على الأخلاق الحسنة:

فعن أيوب عن موسى عن أبيه عن جده، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما نحل والد ولده نحلًا أفضل من أدب حسن))[13].

وقال ابن القيم: “وأدب المرء عنوان سعادته وفلاحه، وقلة أدبه عنوان شقاوته وبواره، فما استجلب خير الدنيا والآخرة بمثل الأدب، ولا استجلب حرمانهما بمثل قلة الأدب”[14]، وقال عبدالملك بن مروان لمؤدب ولده: “علمهم الصدق كما تعلمهم القرآن”[15].

 

وقال خلف الأحمر: “بعث إليَّ الرشيد في تأديب ولده محمد الأمين فقال: يا أحمر، إن أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه وثمرة قلبه، فصيَّر يدك عليه مبسوطة، وطاعته لك واجبة، وكن له بحيث وضعك أمير المؤمنين؛ أقرئه القرآن، وعرفه الأخبار، وروِّه الأشعار، وعلِّمه السنن، وبصِّره بمواقع الكلام وبدئه، وامنعه من الضحك إلا في أوقاته”[16].

 

وقال الشيخ عبدالرحمن السعدي: “فالآداب الحسنة خير للأولاد حالًا ومآلًا من إعطائهم الذهب والفضة وأنواع المتاع الدنيوي؛ لأن بالآداب الحسنة والأخلاق الجميلة يرتفعون، وبها يسعدون، وبها يؤدون ما عليهم من حقوق الله وحقوق العباد، وبها يجتنبون أنواع المضار، وبها يتم برهم لوالديهم، وأما إهمال الأولاد فضرره كبير، وخطره خطير، أرأيت لو كان لك بستان فنمَّيته، حتى استتمت أشجاره، وأينعت ثماره، وتزخرفت زروعه وأزهاره، ثم أهملته فلم تحفظه، ولم تسقِه ولم تُنَقِّه من الآفات، وتعده للنمو في كل الأوقات، أليس هذا من أعظم الجهل والحمق؟ فكيف تهمل أولادك الذين هم فلذة كبدك، وثمرة فؤادك…”[17].

 

8- أن يكون الآباء قدوة حسنة لأولادهم:

فقد مدح الله تعالى الأب الصالح في القرآن الكريم؛ قال الله تعالى: ﴿ وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا ﴾ [الكهف: 82].

 

قال محمد بن المنكدر: “إن الله ليحفظ بالرجل الصالح ولدَه وولدَ ولدِهِ وقريته التي هو فيها، والدويرات التي حولها، فما يزالون في حفظ الله وستره”[18].

 

وقال ابن المقفع: “أفضل ما يورث الآباءُ الأبناءَ: الثناء الحسن، والأدب النافع، والإخوان الصالحون”[19]، وعن هشام بن حسان قال: قال سعيد بن جبير: “إني لأزيد في صلاتي من أجل ابني هذا”[20].

 

9- الدعاء للأولاد وتجنب الدعاء عليهم:

قال تعالى حكاية عن سيدنا زكريا عليه السلام: ﴿ فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ﴾ [مريم: 5، 6]، فيدعو لابنه الذي لم يولد دعاء سبقه إخلاص لله وتضرع إليه، وصلاة وتسبيح، وتحميد وتكبير، ومن صفات عباد الرحمن الدعاء للأولاد؛ قال الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ﴾ [الفرقان: 74]؛ قال الحسن: “وما شيء أقر لعين المؤمن من أن يرى حبيبه في طاعة الله”.

 

والحذر من الدعاء عليهم؛ فعن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((… لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يُسأل فيها عطاء، فيستجيب لكم))[21].

 

10- تحصين الأولاد بالأذكار الشرعية:

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوِّذ الحسن والحسين ويقول: إن أباكما كان يعوذ بها إسماعيل وإسحاق: أعوذ بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامَّة، ومن كل عين لامَّة))[22]، والمراد بـ((ومن كل عين لامة))؛ قال الخطابي: “كل داء وآفة تلم بالإنسان من جنون وخبل”[23].

 

ختامًا:

أسأل الله أن يحفظ أولادكم، وأن يقر أعينكم بصلاحهم، وأن يكونوا عونًا لكم على طاعته عز وجل.


[1] تحفة المودود بأحكام المولود، (ص: 20).

[2] صحيح البخاري (6/ 43)، صحيح مسلم (3/ 1235).

[3] الفرائض وشرح آيات الوصية، (ص: 27).

[4] تفسير ابن كثير، ط: العلمية، (8/ 188).

[5] تحفة المودود بأحكام المولود، (ص: 242).

[6] صحيح البخاري (7/ 32)، صحيح مسلم (3/ 1459).

[7] إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني، (4/ 325).

[8] إحياء علوم الدين (3/ 72).

[9] تفسير السعدي، (ص: 517).

[10] صيد الخاطر، (ص: 508).

[11] السنن الكبرى للبيهقي، (3/ 120).

[12] تحفة المودود بأحكام المولود، (ص: 225).

[13] التاريخ الكبير للبخاري (2/ 687)، وفي سنن الترمذي (4/ 338)، وقال: هذا حديث غريب، وقال الشيخ الألباني: ضعيف.

[14] مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، (2/ 368).

[15] تاريخ دمشق لابن عساكر، (37/ 148).

[16] تاريخ ابن خلدون، (1/ 744).

[17] بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار، ط: الرشد، (ص: 154).

[18] تهذيب الكمال في أسماء الرجال، (10/ 366).

[19] الأدب الصغير والأدب الكبير، (ص: 34).

[20] موارد الظمآن لدروس الزمان، (4/ 450).

[21] صحيح مسلم (4/ 2304).

[22] صحيح البخاري (6/ 109).

[23] فتح الباري لابن حجر (6/ 410).

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: