جاء بالحقِّ وصدَّق المرسَلين

جاء بالحقِّ وصدَّق المرسَلين

إن محمدًا صلى الله عليه وسلم الذي دخَل الغارَ وحيدًا ليتعبَّد حين أنكرَ بفِطرته الطاهرةِ موضعَ الأصنام من البيت العَتيق، خَرج على الدنيا بأعظمِ الشرائع وآخرِ رسالات السماء، ليكتبَ تاريخًا جديدًا، ويغيِّرَ وجهَ العالَم، ويصيرَ أمَّة.

﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ [الأعراف: 158].

والإيمانُ بصدقِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم عند المسلمين أثبتُ في قلوبهم من الجبال الرواسي، وحقيقةٌ يؤمنون بها كأنها رأيُ العَين، وعقيدةٌ لا يرقَى إليها الشك، يستوي في هذا أمِّيُّهم وعالِمَهم.

أما غيرُ المسلمين، فالناظرُ منهم بإنصافٍ وتجرُّد في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم العظيمةِ وأحاديثِه الشريفة وأخبارِ صحابتِه الذين عايَشوه وخالَطوه فكان أحبَّ إليهم من أنفُسِهم وأهلِيهم، يدركُ أن محمدَ بنَ عبدِ الله صلى الله عليه وسلم لا ينبغي له إلا أن يكون نبيًّا، وأن شمائلَه كانت وحدها دينًا.

يقول الكاتبُ والمؤرِّخ الاسكتلندي توماس كارلايل في كتابه «الأبطال»: «كان محمد [صلى الله عليه وسلم] واحدًا من هؤلاء الذين لا يستطيعون إلا أن يكونوا في جِد دائمًا، هؤلاء الذين جُبِلت طبيعتُهم على الإخلاص، فلم يَقُم هذا الرجل بإحاطة نفسِه داخلَ إطار من الأقوال والصيغ الدينية، ولكنه تفرَّد مع رُوحه ومع حقيقة الأشياء يستمدُّ منها ما نطلق عليه الإخلاص، شيءٌ يملِكه أسمَى من طبيعة البَشر، فقد كانت رسالة هذا الرجل تنبعثُ من فِطرة قلبِه ورُوحه، ولهذا يجبُ أن يستمعَ ويعملَ الرجال وليس لأي شيءٍ آخر، فكلُّ شيء غيرِ ذلك إنما هو هَباء تذرُوه الرياح.

لقد أصبح من أكبرِ العار على كل فرد متمدِّن في هذا العصر أن يُصغِيَ إلى القول بأن دينَ الإسلام كذِب، وأن محمدًا [صلى الله عليه وسلم] خدَّاع مزوِّر، فإن الرسالة التي أدَّاها ذلك الرجلُ ما زالت السراجَ المنيرَ مدةَ اثنَي عشرَ قرنًا[1] لمئات الملايينِ من الناس أمثالِنا، خلَقَهم اللهُ الذي خلَقَنا.

أكان أحدُهم يظنُّ أن هذه الرسالةَ التي عاشت بها وماتت عليها هذه الملايينُ الفائقةُ الحصرِ والعدِّ أكذوبةٌ وخدعة؟! أما أنا فلا أستطيع أن أرى هذا الرأيَ أبدًا، فلو أن الكذبَ والغشَّ يَرُوجان عند خَلق الله هذا الرواجَ، ويصادفانِ ذلك التصديقَ والقَبول، فما الناسُ إلا بُلهٌ ومجانِين، وما الحياةُ إلا سُخفٌ وعَبثٌ، كان الأَولى بها ألا تُخلَق».

ويقول المستشرق الإنجليزي وليم مونتجمري في كتابه «محمد في مكة»: «إن استعدادَ هذا الرجلِ لتحمُّل الاضطهاد من أجل معتقَداته، والطبيعةَ الأخلاقية الساميَة لمن آمنوا به واتَّبعوه واعتبروه سيدًا وقائدًا لهم، إلى جانب عظمةِ إنجازاته المطلَقة، كل ذلك يدل على العدالة والنزاهة المتأصِّلة في شخصِه. فافتراضُ أن محمدًا [صلى الله عليه وسلم] مدَّعٍ افتراضٌ يثير مشاكلَ أكثرَ ولا يَحُلُّها، بل إنه لا توجد شخصيةٌ من عظماءِ التاريخ لم تَنَلِ التقديرَ اللائقَ بها في الغرب مثلَما فُعِل بمحمدٍ [صلى الله عليه وسلم]».

ويقول الكاتبُ والمفكرُ الأيرلندي جورج برنارد شو في كتابه “محمد”، الذي أحرقَتْه السُّلطة البريطانية: «إن العالَم أحوجُ ما يكون إلى رجلٍ في تفكير محمد [صلى الله عليه وسلم]، هذا النبي الذي وضع دينَه دائمًا موضع الاحترام والإجلال؛ فإنه أقوَى دينٍ على هضم جميعِ المدنيَّات، خالدٌ خلودَ الأبد، وإني أرى كثيرًا من بني قومي قد دخلوا هذا الدين على بيِّنة، وسيجد هذا الدينُ مجالَه الفسيحَ في هذه القارة [يعني أوروبا].

إن رجالَ الدين في القُرون الوسطى، ونتيجةً للجهل أو التعصُّب، قد رسموا لدين محمد [صلى الله عليه وسلم] صورةً قاتمة، لقد كانوا يعتبرونه عدوًّا للمسيحية، لكنني اطَّلعت على أمر هذا الرجل، فوجدته أعجوبةً خارقة! وتوصلت إلى أنه لم يكن عدوًّا للمسيحية، بل يجب أن يسمَّى مُنقِذَ البشريَّة، وفي رأيي أنه لو تولى أمرَ العالمِ اليوم، لوُفق في حَل مشكلاتنا بما يؤمِّن السلام والسعادة التي يرنو إليها البشر».

هذا غَيضٌ من فَيضِ هذه الشهادات الكثيرةِ الباقية في كُتب القوم وتُراثِهم، الذين خشعَت نفوسُهم أمام هذه النفس المتفرِّدة، وأحنَوا رءوسَهم إكبارًا لصاحب الرسالة الخاتمة صلى الله عليه وسلم.

كانت حياةُ الرسول صلى الله عليه وسلم تجسيدًا لمعنى النبوة، فما سارَ على الأرض بَشرٌ نال ما ناله من الفضل والشرف وعلوِّ الذِّكر وخُلود الأثر؛ حاز مكارمَ الأخلاق من أطرافها، واجتمعَ فيه من عظيم الخُلق وجميل الصفات ما لم يجتمِعْ لسواه، فصار مثلًا للفَضيلة الإنسانيةِ في أسمَى صورِها.

كابَد في سبيل رسالتِه ما تنوءُ به الجبال، صابرًا محتسبًا بشوشًا، موقنًا بنصر ربِّه حتى جاءه، انتصَرَ حتى بعدَ موتِه، وأخرَج من الصحراءِ أمَّة سادت بإيمانها العالَم، وارتقت بميراثِ النبوَّة ذروةَ الحضارة، وكانت خيرَ أمة أُخرجت للناس.

كان النبيُّ العربي الذي يأتيه خبرُ السماء أصدقَ الناس حديثًا، وأفصحَهم لسانًا، وأوفاهم ذِمة، وأطهرَهم نفسًا، وأشجعَهم قلبًا، وأكرمَهم يدًا، وأشدَّهم تواضعًا في وقار، وأبرَّهم وأرحمَهم وأعدَلهم وأتقاهم، يُرى صدقُ نبوَّتِه في نور وجهِه قبل أن يَنطِقَ به لسانُه، ويأسِرُ بكريم خُلقِه القلوبَ والألباب.

وإن الرجلَ يموتُ والفكرة لا تموت، والنبيُّ محمدٌ صلى الله عليه وسلم كُتِب له الخلودُ في وِجدان البشرية بما تركه من دِين سماويٍّ وقِيَم خُلقية وتاريخٍ وحضارة، إنه ذلك النَّموذجُ الإنسانيُّ الذي يقول عنه الله تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21].

ولنطلَّ معًا على لمحاتٍ سريعة من بشارات الكُتب بهذا النبيِّ الكريم الذي أشرقَت على الإنسانية شمسُ بعثتِه مع بدايات القرن السابع الميلادي؛ ليحرِّرَ العقولَ من ضلالاتِها، ويطهِّرَ القلوبَ من أدرانِها، ويُخرِجَ الناسَ من ظُلمة الجاهلية وعبادةِ الحَجر والمالِ والقوة، إلى نور الإسلام وعبادةِ الله الواحد.

عن عبد الله بنِ عمرِو بنِ العاص رضي الله عنهما- حين سُئل عن صِفة رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في التوراة- قال: «أجَلْ والله إنه لموصوفٌ في التوراة ببعضِ صفتِه في القرآن: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ﴾ [الأحزاب: 45]، وحِرزًا للأمِّيِّين، أنت عبدي ورسولي، سمَّيتُك المتوكلَ، ليس بفظٍّ ولا غليظٍ ولا سخَّابٍ في الأسواق، ولا يَدفَع بالسيئة السيئةَ ولكن يعفُو ويغفِر، ولن يَقبضَه الله حتى يُقِيمَ به الملَّةَ العوجاءَ بأن يقولوا: لا إلهَ إلا اللهُ، ويفتح بها أعينًا عُميًا، وآذانًا صُمًّا، وقلوبًا غُلفًا». [البخاري: 2125].

يقول المؤرخ والكاتب الأمريكي ول ديورانت في «قصة الحضارة»: «ولفظ (محمَّد) مشتقٌّ من (الحَمْد) وهو مبالَغة فيه، كأنه حُمِد مرةً بعد مرة، ويمكن أن تنطبقَ عليه بعض فِقرات في التوراة تبشِّر به».

وقد وصَف الله تعالى نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم وسمَّاه في الكتابين: التوراة والإنجيل، قال تعالى مخبرًا عن ذلك في القرآن الكريم: ﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الأعراف: 157].

وقال تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ [الصف: 6].

والطائفتانِ من اليهودِ والنصارَى أنكرُوا صفةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم واسمَه، وقد شَهِدت التوراةُ والإنجيلُ بهما، والنصوصُ موجودةٌ إلى الآنَ في مواضعَ من الكتابين يضِيقُ المجالُ عن سردِ جميعِها، ولكن نذكُر منها على سبيلِ المثال[2]:

جاء في التوراة: «لأنه هكذا قال ربُّ الجنود هي مرةٌ بعد قليلٍ فأزلزِلُ السمواتِ والأرضَ والبحرَ واليابسةَ، وأزلزِلُ كلَّ الأمم ويأتي مشتهَى كلِّ الأمم». [حَجَّيّ 2: 6، 7].

ونتوقف مع القس المهتدي البروفيسور عبد الأحد داود، وهو الخبير باللغات القديمة، إذ يسوق لنا ترجمة النص السابق من العِبرية: «لسوف أزلزِلُ كلَّ الأرض، وسوف يأتي محمادُ لكلِّ الأمم». ويرى أن كلمة «مشتهَى» التي وردت في النص العربيِّ هي ترجمةُ كلمة «محماد» في العبرية، ومن الواضح جدًّا أن حروفَها هي الحروف نفسُها التي يُشتَق منها اسمُ النبي صلى الله عليه وسلم بالعربية: «محمد» و«أحمد»، ومثل هذا التقارب يدل على أن لهما أساسًا واحدًا مشتركًا كما هي الحال في كثير من كلمات اللغات الساميَّة، ولو أبقينا الاسمَ على حاله دون ترجمة كما ينبغي أن يكون في الأسماء، فإنا نجد لفظة «محماد» هي الصيغة العِبرية لاسم «أحمد»، التي أضاعها المترجِمون عندما ترجَموا الأسماءَ أيضًا.

والعجيب أن النصارى قالوا: إن المذكورَ في النُّبوءة هو المسيح -عليه السلام- وليس محمدًا صلى الله عليه وسلم! وأحسب أن أيَّ منصِف عندما يقرأ النصَّ السابق لن يجادل في أن «محماد» ليس أيَّ واحد سوى محمد صلى الله عليه وسلم.

وفي الإنجيل أخبر سيدنا عيسى -عليه السلام- تلاميذه بالنبيِّ المنتظَر قائلًا: «إن كنتم تُحِبُّونني فاحفَظُوا وصايايَ, وأنا أطلبُ من الآبِ فيعطِيكم مُعَزِّيًا آخرَ ليمكُثَ معكم إلى الأبد». [يوحنا 14: 15، 16].

ويؤكد المسيح عيسى -عليه السلام- لتلاميذه ملامحَ النبي المنتظر بقوله: «بهذا كلَّمتُكم وأنا عندكم. وأما المعزِّي الروحُ القُدُس الذي سيرسلُه الآبُ باسمي فهو يعلِّمُكم كلَّ شيء ويذكِّرُكم بكل ما قلتُه لكم». [يوحنا 14: 25، 26].

إن ما جاء على حسب رواية يوحنا من وصف لذلك النبيِّ الخاتم إنما هو وصفٌ ناطق واضح، ولفظةُ «المعزِّي» لفظةٌ حديثة أبدلَتْها التراجِمُ الجديدة للعهد الجديد، فيما كانت التراجمُ العربية القديمة تضع الكلمةَ اليونانية «البارِقْلِيط» «Parakletos» كما هي، وهو ما يصنَعه كثيرٌ من التراجمِ العالمية، ويقول علماءُ اللغة إن كلمة «Parakletos» تحريف لكلمة «Periclyte» وهي الكلمة التي يُعتقَد أن السيد المسيح -عليه السلام- تلفَّظ بها، وقد قال بعضُ علماء أهل الكتاب- من أسلَم منهم ومن لم يُسلِم-: إنها كلمة سُريانية أو آرامية بمعنى: «أحمد»[3].

و«أحمد» هو الاسم الوارد بلفظه في القرآن الكريم على لسان نبي الله عيسى -عليه السلام- مبشرًا بالنبي الآتي من بعده، ويعني في العربية: أكثرَ الخَلق حمدًا لله، أو أحقَّ الخلق وأَولاهم بأن يُحمَد؛ لما فيه من الفضائل والمحاسن التي يُحمَد من أجلها، وهو من أسماء النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ لِي أَسْمَاءً: أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَنَا أَحْمَدُ، وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللهُ بِيَ الْكُفْرَ، وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي، وَأَنَا الْعَاقِبُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ أَحَدٌ». [مسلم: 2354].

وكان علماءُ أهل الكتاب من اليهود والنصارَى وقتَ ظهور النبي صلى الله عليه وسلم يَعرِفون اسمه وصفتَه وزمانَ مَبعَثِه يقينًا، وحين ظهَر كذَّبوه وحسدُوه وكفَروا به وكتَموا ما يعلمونَ من الحق[4]، وقد عبَّر القرآن الكريم عن هذا بقول الله تعالى: ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 146].

وحين يخبر القرآن الكريم بذلك فهو الحق الذي لا ريب فيه، ولا نحتاج معه إلى برهان آخر. وليس هذا ما يعتقده المسلمون وحدهم في صحة القرآن الكريم، بل “اتفقَت كلمة المستشرقين وعلماءِ الغرب المحقِّقين على أن القرآن الكريم محفوظٌ في السطور والصدور، وأنه لم تُحذَف منه كلمة ولم تُزَد عليه كلمة”[5]، وأنه كتابٌ معجِز لا يمكن أن يكون من صنعِ بَشر، ومن هؤلاء- على سبيل المثال- المستشرق الاسكتلندي سير وليم موير، ومع أنه عُرف بتحامله على الإسلام وعلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، يقول: «فلعله هو الكتابُ الوحيد في الدنيا الذي بقي نصُّه محفوظًا من التحريف». ويقول المؤرخ وعالم الفلك الأمريكي اليهودي مايكل هارت: «لا يوجد في تاريخ الرسالات كتابٌ بقي بحروفه كاملًا دون تحويرٍ سوى القرآن». ويقول الكاتب الأمريكي بودلي: «بين أيدينا كتابٌ فريد في أصالته وفي سلامته، لم يُشكَّ في صحته كما أُنزل، وهذا الكتابُ هو القرآن». ويقول المستشرق الإنجليزي آرثر آربري: «عندما أستمع إلى القرآن يُتلى بالعربية فكأنما أستمع إلى نبضات قلبي». ويقول الشاعر والفيلسوف الألماني جوته: «إن أسلوب القرآن محكَم سامٍ مثير للدهشة. فالقرآن كتاب الكتب، وإني أعتقد هذا كما يعتقده كل مسلم. وأنا كلما قرأت القرآن شعرت أن روحي تهتز داخل جسمي». وتقول المستشرقة الألمانية أنا ماريا شميل: «القرآن هو كلمة الله، موحاة بلسان عربيٍّ مبين، وترجمته لن تتجاوز المستوى السطحيَّ؛ فمن ذا الذي يستطيع تصويرَ جمالِ كلمة الله بأي لغة؟!».

ويقول بروفيسور الرياضيات الأمريكي المهتدي جيفري لانج: «القرآن هذا الكتاب الكريم قد أسَرَني بقوة، وتملَّك قلبي، وجعلني أستسلم لله. والقرآن يدفع قارئه إلى اللحظة القصوى، حيث يتبدَّى للقارئ أنه يقف بمفرده أمام خالقه. وإذا ما اتخذتَ القرآن بجِدية فإنه لا يمكنك قراءتُه ببساطة، فهو يَحمِل عليك وكأن له عليك حقوقًا، وهو يجادلك وينتقدك ويُخجلك ويتحداك. لقد كنتُ على الطرَف الآخَر، وبدا واضحًا أن مُنزل القرآن كان يعرِفني أكثرَ مما أعرف نفسي. لقد كان القرآن يسبقني دومًا في تفكيري، وكان يخاطبُ تساؤلاتي». ويقول المستشرق النمساوي جوزيف فون هامر في مقدمة ترجمته للقرآن: «القرآنُ ليس دستورَ الإسلام فحسب، وإنما هو ذروة البيانِ العربي، وأسلوبُ القرآن المدهش يشهَد على أن القرآن وحيٌ من الله، وأن محمدًا قد نشر سلطانه بإعجاز الخطاب، فالكلمةُ لم يكن من الممكِن أن تكونَ ثمرةَ قريحةٍ بَشرية!».

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ [النساء: 170].


[1] توفي كارلايل عام (1881م).

[2] كما جاء في «محمد المثال الأسمى» للعلامة أحمد ديدات، و«هل بشر الكتاب المقدس بمحمد صلى الله عليه وسلم» للدكتور منقذ السقار.

[3] من المصدرين السابقين بتصرف.

[4] إلا قليلًا منهم، كعبد الله بن سلَام رضي الله عنه، وكان من أحبار يهودِ المدينة، وحين هاجر النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينة عرفه بصفاته وآمَن به ودعا قومَه للإيمان به فأبَوْا واستكبَروا وجحَدوا الحق. ويُروَى عنه أنه قال حين هاجَر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة:

«فجئتُ في الناس لأنظرَ إليه، فلما استَبَنْتُ وجهَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عَرَفتُ أن وجهَه ليس بوجهِ كذَّاب». [ابن ماجه: 1334].

[5] «على مفترق الطرق» لمنير عرفة.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: