التقوى هي سبب السعادة والنجاة

فمن الأمور التي يسعى جميع الناس بمختلف معتقداتهم وأعمارهم وأجناسهم للحصول عليها: السعادة، فالكل يبحث عنها، والجميع ينشدها، وما من إنسان إلا يودُّ أن يكون من السعداء.

فغير المسلمين بحثوا عن السعادة، ولكنهم ما وجدوا السعادة التي تريح قلوبهم وتسعد أرواحهم، ومَنْ مَنَّ الله عليه منهم فأسلم، تحدث عن فقده للسعادة قبل إسلامه، وإحساسه بها بعد إسلامه، فالسعادة في الدنيا وبعد الموت في دين الإسلام، وليست في غيره من الأديان والمعتقدات؛ قال العلامة ابن باز رحمه الله: “من أراد الأمن في الدنيا والسعادة في الآخرة، فعليه بهذا الدين، وأن يلتزم به”، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “تحصل السعادة بعد الموت بالإيمان والإسلام”.

ومن بحث عن السعادة من المسلمين وغيرهم في طرق غير موصلة إليها؛ من: تناول مسكر، أو رؤية مُلْهٍ، أو سماع مطربٍ، ونحو ذلك – فهؤلاء ما وجدوا السعادة، بل وجدوا ضد ذلك؛ فالذنوب لها الآم عاجلة من هموم وغموم وأحزان، فهي والسعادة نقيضان لا يجتمعان.

ومن وفقه الله فتاب عليه من الظلم والجهل المانعين من السعادة، أصبح من السعداء؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “السعيد من تاب الله عليه من جهله وظلمه، وإلا فالإنسان ظلوم جهول”.

التقي السعيد يحس بالسعادة ولو كان من أقل الناس مالًا وشرفًا؛ لأن سعادته تجعله منشرح الصدر، مرتاح النفس، مطمئن القلب.

والتقي السعيد لا يحزن على دنياه عند موته، ولا يخاف وقت الرحيل عنها؛ قال الله عز وجل: ﴿ فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [الأعراف: 35]، بل إنه يشعر بعد موته بسعادة أتمَّ وأكمل مما كان في دنياه؛ قال العلامة ابن القيم رحمه الله: “يشعر العبد تمام الشعور بأن ذلك عين السعادة إذا كُشف له الغطاء، وفارق الدنيا ودخل الآخرة، وإلا فهو في الدنيا وإن شعر بذلك بعض الشعور، فليس شعوره به كاملًا؛ للمعارضات التي عليه والمحن التي امتُحن بها”.

والتقي السعيد سعادته موصولة بسعادة الآخرة؛ قال الله عز وجل: ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ [هود: 108]، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “الموت لا بد منه، فإن كان العبد من أهل الهداية، كان سعيدًا بعد الموت، وكان الموت موصلًا له إلى السعادة الدائمة الأبدية، فيكون رحمة في حقه”.

لقد تكلم الكثيرون من أدباء وشعراء، ومفكرين وكُتَّاب وباحثين، وغيرهم عن أسباب السعادة وعلاماتها، فمنهم من جانبه الصواب في ذلك، ومنهم من أصاب في ذلك، وممن أصاب في ذكر علامات وأسباب وعناوين السعادة: سلف وعلماء هذه الأمة، الذين ذاقوا السعادة ونعموا بها، ففي الدنيا جنة قبل جنة الآخرة، من دخلها شعر بسعادة لو علم عنها المترفون لقاتلوا أهلها عليها، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ومن الأسباب والعلامات والعناوين التي ذكرها أهل العلم للسعادة ما يلي:

محبة الله جل جلاله، ومحبة ما يحب:

رأس السعادة محبة الله جل جلاله، وبقدر ما تعظم هذه المحبة في نفس العبد، ينال من السعادة مثلها؛ قال العلامة ابن القيم رحمه الله: “المحبة المحمودة هي… التي تجلب لصاحبها ما ينفعه في دنياه وآخرته، وهذه المحبة هي عنوان السعادة… وأعظم أنواع المحبة المحمودة: محبة الله وحده، ومحبة ما أحبَّ، وهذه المحبة هي أصل السعادة ورأسها”.

وقال رحمه الله: “أعظم سعادة العبد… تفريغ قلبه لحب الله”.

توحيد الله تعالى:

قال الشيخ عبدالعزيز بن محمد السدحان: “قوة التوحيد هي أعظم الأسباب وأهمها، فمتى قوي توحيد العبد وتعظيمه لربه عز وجل، وصدق في توكله على الله عز وجل، واحتسب ما أصابه في ذات الله عز وجل… فتوحيد الله تعالى من أعظم أبواب السعادة”.

طاعة الله عز وجل وعبادته وتقواه:

قال الشاعر:

ولستُ أرى السعادة جمعَ مالٍ *** ولكنَّ الـتقيَّ هو السـعيدُ

فالسعادة في تقوى الله وطاعته، ولا وصول إلى السعادة إلا بهذه الطاعة؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “أسعد الخلق أعظمهم عبودية لله”، وقال: “سعادة العبد أن يفعل المأمور، ويترك المحظور”، وقال العلامة ابن القيم رحمه الله: “السعادة كلها في طاعته”، وقال العلامة ابن باز رحمه الله:

“التقوى هي سبب السعادة والنجاة وتفريج الكروب، والعز والنصر… وهي سبب الأمن والخير والسعادة في الدنيا والآخرة”، وقال: “المؤمنون والرابحون والسعداء من الرجال والنساء يؤمنون بالله وباليوم الآخر إيمانًا صادقًا مستقرًّا في القلب، وقد أخلصوا لله في أعمالهم ووحدوه سبحانه، وآمنوا به وبما أخبر به في كتابه وبما أخبر به رسوله عليه الصلاة والسلام، وحققوا هذا الإيمان بالعمل الصالح”، وقال: “من صفات الرابحين الناجين السعداء: الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر… هذه… صفات الرابحين، صفات السعداء… هذه العناصر الأربعة هي أسباب الوصول إلى السعادة”.

تفريغ العبد لسانه لذكر الله والتنعم بذلك:

قال العلامة ابن القيم رحمه الله: أعظم سعادة العبد: تفريغ لسانه لذكره، وقال: “أجلُّ المقاصد معرفة الله، والتنعم بذكره، وهذا أجلُّ سعادة الدنيا والآخرة”.

وقد ذكر رحمه الله في كتابه النافع “الوابل الصيب من الكلم الطيب” للذكر أكثر من سبعين فائدة، منها – فيما يتعلق بموضوعنا – أنه يزيل الهم والغم عن القلب، وأنه يجلب للقلب الفرح والسرور والبسط، وأن من شاء أن يسكن رياض الجنة في الدنيا فليستوطن مجالس الذكر، فإنها رياض الجنة.

اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم:

قال الله عز وجل: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ﴾ [آل عمران: 31]، فمن اتبع الرسول عليه الصلاة والسلام أحبه الله عز وجل، ومن أحبه الله جل جلاله فهذا عنوان سعادته؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “السعادة والهدى في متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم”، وقال العلامة ابن باز رحمه الله: “الخير كله والسعادة في الدنيا والآخرة في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، والسير على سنته، وسلوك مسلك أصحابه رضي الله عنهم”.

الفقه في الدين والعلم النافع:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “من فقه في الدين كان من أهل السعادة”، وقال رحمه الله: “الخير والسعادة والكمال والصلاح منحصر في نوعين: في العلم النافع، والعمل الصالح”، وقال العلامة ابن باز رحمه الله: “من رُزق العلم النافع فقد رُزق أسباب السعادة، إذا عمل بذلك واتقى الله في ذلك”، وقال رحمه الله: “من أسباب السعادة التفقه في الدين؛ كما قال عليه الصلاة والسلام: ((من يردِ الله به خيرًا يُفقهه في الدين))، فمن علامات الخير والسعادة التفقه في دين الله”.

تدبر القرآن الكريم:

قال العلامة ابن باز رحمه الله: “السعيد من تدبره وتعقله وعمل بما فيه – يعني: كتاب الله – والشقي من أعرض عن ذلك، واتبع الهوى والشيطان، نعوذ بالله من ذلك”.

التوبة إلى الله من جميع الذنوب والمعاصي:

من كانت سيئاته نُصبَ عينه فهذا من علامة سعادته؛ قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: “علامة السعادة أن تكون حسنات العبد خلف ظهره، وسيئاته نصب عينيه”.

وإذا كانت نصب عينيه ووفقه الله فسيتوب منها، وفي هذا سعادته؛ قال العلامة ابن باز رحمه الله: “التوبة إلى الله فيها الخير العظيم والسعادة في الدنيا والآخرة”.

الشكر عند العطاء، والصبر عند البلاء، والاستغفار عند الذنب:

قال الإمام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله: “أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يتولاك في الدنيا والآخرة، وأن يجعلك مباركًا أينما كنت، وأن يجعلك ممن إذا أعطى شكر، وإذا ابتُلي صبر، وإذا أذنب استغفر؛ فإن هؤلاء الثلاث عنوان السعادة”، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “سعادة العبد… أن يسلم للمقدور”.

طهارة القلب من جميع الأمراض المعنوية؛ من الحسد، والحقد، والغل، وغيرها؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “أسعد الناس في الدنيا أطهرهم قلبًا”.

الاشتغال بعيوب النفس عن عيوب الناس:

قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: “من أمارات السعادة أن يشغله عيبه عن عيوب الناس”.

وأخيرًا، فإن من وُعظ بغيره فإنه من السعداء، كما ذكر ذلك ابن مسعود رضي الله عنه، وقد قيل: “ما أكثر العبر وأقل الاعتبار”، فليتنبه لهذا من يريد السعادة، وليعتبر بما حصل لغيره من الأموات والأحياء من خير وشر، فيتابعهم في الخير، ويتعظ بما حصل لهم من شر فيبتعد عنه ويجتنبه.

اللهم اجعلنا من السعداء الأتقياء.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: