نشأت اللغة

نشأة اللغة العامية:

لم يكن لدى العرب في الجاهلية لغتان، كما نرى لدينا اليوم؛ واحدة فصيحة، هي لغة الدراسة، والأخرى عامية هي لغة التخاطب. بل كانت اللغة أصلًا لغة واحدة فصيحة في كل الأحوال، لدى كل الفئات؛ كبارًا وصغارًا. وقد ظهر الخطأ في اللغة العربية، لما انطلقت الفتوحات الإسلامية، ودخلت عناصر البلاد المفتوحة في الإسلام، وكانوا عجمًا لا يعرفون اللغة العربية، وقد تعلموها لأنها لغة دينهم، من هنا ظهر الخطأ في اللغة.

صحيفة أبي الأسود الدؤلي:

و(لما خشي أهل العربية على لغتهم من ضياعها، بعد أن اختلطوا بالأعاجم، دونوها في المعاجم، وأصلوا لها أصولًا تحفظها من الخطأ)[1].

وكان الخليفة الرابع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قد وضع صحيفة دون فيها المرفوعات والمنصوبات والمجرورات، وقال لأبي الأسود الدؤلي: علِّم الأعاجم علم العربية، وانحُ في تعليمهم هذا النحو. (فالعامية ضرورة مرت بها الأمة العربية في جميع أقطارها حتى عز من يحسن القراءة والكتابة، لا في الجزيرة العربية التي ركد نشاطها وتأثيرها منذ بداية العصر العباسي حتى العصر الحديث، بل في كل أقطار العالم العربي حيث أصبحت الأمية منتشرة، والعامية ضاربة بأطنابها حتى في أرقى عواصم العالم العربي وأعرقها حضارة وفكرًا وأدبًا، وأرسخها في ميدان الثقافة وأقدمها وجودًا في التاريخ.

يقول الأستاذ سعيد الأفغاني عن دمشق عاصمة الخلافة الأموية:

(كان يرد الكتاب بالبريد قبل سبعين سنة على صاحبه، فيطوف على أهل الحي فلا يجد من يقرؤه) وكانت الجزيرة العربية – ما عدا الحرمين – أكثر بلاد العرب بعدًا عن التعليم. وكان في قلب الجزيرة وأطرافها أحداث تشبه أحداث ما قبل الإسلام، عاد فيها إلى مجتمع قبلي تحكمه عادات وتقاليد ونظم عرفية اصطلح عليها وحافظ على الجميل منها، وسارت حياته على مثال ما كانت تسير عليه حياة أسلافه الأولين، وعادت الحروب الدائرة والسلب والنهب والغزو في طلب الغنيمة.

وجاء الكرم والجود والشجاعة أسسًا يقوم عليها بناء المجتمع العامي الجديد…

ولم يستطع الأميون تجسيد تلك القيم، ولا وصفها والحديث عنها باللغة الفصحى، فألجأتهم الضرورة إلى اللغة العامية، واللهجة الدارجة التي فسد بناؤها الفصيح المطابق لأصله، فسجل الشعراء الأميون شعرهم ومآثرهم وعاداتهم في الحرب والسلم ومع الجار والضيف والغريب، واستمرت العامية أقرب إلى ألسنة الناس وأسرع إلى شفاههم حتى بعد أن أعاد الله لهذه البلاد شيئًا من وحدتها وأمنها واستقرارها ولم ينقطع حبل العامية حتى بعد انتشار التعليم)[2].

والعامية والأمية لفظتان مترادفان، كل منهما يعني الجهل بالقراءة والكتابة (إن العرب الجاهليين لم يكونوا بوجه عام أهل كتابة وقراءة)[3].

أما في الشعر؛ فإن ابن خلدون يلقي الضوء على هذه النقطة في مقدمة كتابه المسمى (العبر…)، حيث يعلل فيه بدء اللحن في الشعر، في الخروج على قواعد اللغة العربية، ويسمي هذا اللون من الشعر الذي وقع فيه اللحن، (الشعر البدوي) لا يراعي قواعد اللغة)[4].

لقد شاعت اللهجات العامية في كل أمصار الأمة العربية من ذلك ما أورده الدكتور إبراهيم أنيس في كتابه: (دلالة الألفاظ)[5]:

(دعنا نستعرض طائفة من الألفاظ الشائعة الآن في لهجات كلامنا لنرى إلى أي حد تطورت دلالتها:

1- نقول في خطابنا (بص) بمعنى انظر، ومعناها القديم هو (بص) برق ولمع وتلألأ.

2- (حرامي) للص، هو في الحقيقة نسبة إلى الحرام، وتخصصت دلالته واستعمل بعده الدلالة الخاصة في القرن السابع الهجري.

3- (الحريم) في الاستعمال القديم هو الذي حرم مسه، ولكنه اشتهر في للهجات الخطاب بوصف المرأة.

4- (الخبص) في لهجاتنا بمعنى الكذب والافتراء والنميمة ولكنها في المعنى القديم مجرد خلط الشيء بالشيء.

5- (الشنب) في لهجات الخطاب بمعنى الشارب، وفي الاستعمال القديم ماء ورقة وعذوبة في الأسنان.

6- (بل إن بعض الألفاظ المستعملة من الفارسية قد تطورت دلالتها في لهجات خطابنا؛

فكلمة (بِشت) بمعنى العجز والظهر. وكلمة (فهلوي) كلمة فارسية بمعنى شجاع رياضي مصارع ومحارب.

وأُلِّفت كتب عن أمثال هذه المناطق بلهجاتها العامية أيضًا من ذلك:

• الأمثال العامية الشامية ليسار عبيد.

• الأمثال العامية في الشام، لهاني الخير

• الأمثال العامية في مصر، لأحمد تيمور

• الأمثال العامية في نجد، لعبد الكريم جهيمان.

ومن كتاب: طرائف وصور من تاريخ دمشق[6]:

• قالوا للحرامي: احلف. قال: جاني الفرج.

• ساقية جارية ولا نهر مقطوع.

• عند العواصف خبي راسك

• الغريب لازم يكون أديب

• طبل يجمعهم وعصا تفرقهم

• زوَّج الفقيرة للفقير جابو شحادة صغيرة.

• حبلى ومرضعة، وعلى كتفها أربعة، طلعت للجبل لتجيب دوا للحبل.

• قال: شو أحلى من العسل؟ قال: خل ببلاش

• إذا بدك تستريح، شو ما شفت قول: منيح

• جادلت الغشيم غلبني، وجادلت الفهيم غلبتو

استفحال العامية في العصر الحديث:

العامية موجودة في مجتمعنا منذ القرن الأول الهجري كما عرفنا، كانت مقتصرة على العامة الجهال، ولكن في عام 1797 دخل نابليون بونابرت إلى مصر، وجلب معه فريقًا للإفساد العلمي ينادي بأن على اللغة العربية أن تُكتب باللغة العامية.

وجاء الإنكليز بخبث لم يعرفه الفرنسيون، حيث زادوا عليهم أن نشروا فكرة صعوبة اللغة العربية حتى باللغة العامية، فنادى عملاء الاستعمار بكتابة اللغة العربية بالحرف اللاتيني، ليسلخوا الأمة عن عقيدتها وأخلاقها وتاريخها جملة وتفصيلًا.

وتعالت الأصوات في مصر الكنانة لنصرة الفصحى ضد الحركة التغريبية الطاغية، وكان على رأس هؤلاء الغيورون فقيد الأدب العربي الإسلامي مصطفى صادق الرافعي يرحمه الله تعالى حيث يقول:

(… أما اللغة؛ فهي صورة وجود الأمة بأفكارها ومعانيها وحقائق نفوسها، وجودًا متميزًا قائمًا بخصائصها، تتحد بها الأمة في صور التفكير، وأساليب أخذ المعنى من المادة، والدقة في تركيب اللغة.

إذا كانت لغة الأمة هي الهدف الأول للمستعمرين فلن يتحول الشعب أول ما يتحول إلا من لغته، فليس كاللغة نسب للعاطفة والفكر، حتى إن أبناء الأب الواحد لو اختلفت ألسنتهم نشأ منهم ناشئ على لغة ونشأ الثاني على أخرى والثالث على لغة ثالثة، لكانوا في العاطفة كأبناء ثلاثة آباء.

وما ذلت لغة شعب إلا ذل، ومن هذا يفرض الأجنبي المستعمر لغته فرضًا على الأمة المستعمرة، ويركبهم بها ويشعرهم بعظمته فيها.

وليس في العالم أمة عزيزة الجانب تقدم لغة غيرها على لغة نفسها، وإجلال الماضي في كل شعب تاريخيه هو الوسيلة الروحية التي يستوحي بها الشعب أبطاله)[7].

وقد ظهرت دعوات لتصحيح اللغة العامية بردها إلى أصلها إن كانت من الفصيح.

وأُلِّف معجم في ألفاظ العامة، ألفه الدكتور أحمد ضبيب اختار منه ما يلي:

الفقرة الأولى: ألف الكسائي المتوفى سنة 189هـ رسالة صغيرة (ما تلحن فيه العوام). واستمر هذا النوع من التأليف مجددًا عبر العصور فكانت حصيلته مجموعة كبيرة من المؤلفات التي تعنى بالتراث المعجمي العامي.

الفقرة الثانية: وفي المؤلفات المبكرة نجد الاهتمام منصبًا على إصلاح الأخطاء أو غلطات العوام.

الفقرة الثالثة: وفي العصر الحديث ظهرت مجموعة من المؤلفات في هذا الحقل تتناول الصلة بين العامي والفصيح)[8].

وقد دعت الضرورة إلى الحفاظ على الفصحى قيام رابطة تسمى: رابطة نصرة الفصحى. أسسها الفريق يحيى المعلمي وبعض زملائه. وحياة المعلمي الأدبية زاخرة بالعطاء، ومن شعره:
رفرفي يا طيور بين الروابي
وامرحي يا سفين بين العباب[9] قد جرى الماء في الثرى سلسبيلًا
فروى كل مجدب ويباب

قال تحت عنوان: العامية أم الفصحى؟[10].

(إن الدعوة التي نادى بها بعضهم ولا يزال، باستخدام العامية كلغة للكتابة بحيث تصبح بديلًا للفصحى بدعوى أن العامية أيسر في الفهم ليست دعوى وليدة الساعة، بل تعود إلى أكثر من قرن من الزمان، حيث نادى بها بعض المستشرقين وأتباعهم من المستغربين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ومن العجب أن تنتقل هذه الدعوة إلى لبنان (العربية) ويظهر لها أنصار، بل إن بعض المثقفين البارزين في مصر قد تبنوها.

وتنطلق الدعوة إلى العامية من منطلق الكيد للغة العربية، والسعي للقضاء على اللغة العربية للقضاء على بذلك على الإسلام.

هذا هو المنطلق الأول.

والمنطلق الثاني هو: الرغبة في تقليد الغرب).

ولإحياء الفصحى، لدينا خمس طرائق:

1- يجب أن نعوِّد أنفسنا وأطفالنا قبل دخولهم المدرسة على الكلام الفصيح، يتكلم بها كل من في البيت رجالًا ونساء، كبارًا وصغارًا، لغة مبسطة، لا العامية ولا لغة سيبويه، بل لغة عربية سهلة.

2- يجب أن يتكلم المعلمون في المدرسة في كل المواد باللغة العربية السهلة، من الروضة والتمهيدي فصاعدًا ويستمر الكلام الفصيح في الفسحة.

3- أن تقام دورات تدريبية للمعلمين الذين يجدون صعوبة النطق في اللغة الفصيحة.

4- تقديم الحوافز التشجيعية، وتوظيف كل الإمكانيات لتعزيز هذا الاتجاه، كالمسرح وغيره.

5- فرض الكلام بالفصحى في كل وسائل الإعلام والجهات الرسمية وغير الرسمية.

6- منع الكلام باللغة العامية بكل وسيلة.[1] جامع الدروس العربية للشيخ مصطفى الغلاييني ج 1 ص 4.[2] الفصحى ونظرية الفكر العامي د. مرزوق بن تنباك ط2 ص 109…[3] دلالة الألفاظ د. إبراهيم انيس ط3 ص 112.[4] انظر مقدمة ابن خلدون.[5] دلالة الألفاظ د. إبراهيم أنيس ط 3 ص 124.[6] طرائق وصور من تاريخ دمشق. هاني الخير ط1 ص 182.[7] وحي القلم مصطفى صادق الرافعي ج3 ط بيروت ص 32.[8] التحرير العربي د. عثمان الفريح ود. أحمد رضوان ط2 ص 268.[9] يحيى المعلمي أديبًا – أحمد الخاني ط 2 ص 18.[10] أخطاء مشهورة – الفريق يحيى المعلمي ط 1409 ص 188.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: